حيدر حب الله

269

نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي

على ذكرها هنا لنعرف طبيعة الردّ الأخباري على التقسيم الرباعي : أولا : إنّ الشيخ حسن والشيخ البهائي حاولا الاعتذار للمتأخرين بأنّ القرائن قد ضاعت في العصور المتأخّرة واندرست شواهد اليقين بالأخبار ، من هنا سلك العلامة ومن بعده مسلكهم هذا تمييزا للنصوص وضبطا لآليات التعامل معها بعد ظاهرة الانسداد المعرفي هذه « 1 » ، لكنّ هذا التبرير غير صحيح ، فإنّ القرائن والشواهد ما تزال مفتوحة غير منسدّة « 2 » بل تجدّد بعضها ، كيف وهل حصل الانسداد - كما يقول الحرّ العاملي - فجأة مع العلامة أو شيخه ؟ ألم يقرّ البهائي والشيخ حسن بأنّ المتأخرين ربما سلكوا مسلك المتقدمين في مصطلح الصحيح مما يعني إقرارا بوجود القرائن بعد العلامة ؟ « 3 » . ويرفع الكركي من وتيرة النقد على اعتذار صاحب المنتقى بالقول إنه مثل : « الغريق يتشبّث بكلّ خشبة » ، إذ بعد اعترافه بعمل القدماء على خلاف الاصطلاح الجديد ، كيف جاز له ولغيره العمل بهذا الاصطلاح ؟ ! « 4 » . وهكذا يحاول الأخباري أن يعدم أرضية هذا الاصطلاح بالقول - كما تقدّم عن الكركي - إنه جار في أخبار الآحاد ، وأخبارنا كلّها يقينية « 5 » . لكنّ الوتيرة المرتفعة للكركي ، سرعان ما جاءت وتيرة أخرى على نفيها لتدافع عن اندراس القرائن ، فقد شنّ السيد محسن الكاظمي الأعرجي ( 1227 ه ) هجوما لاذعا على الأخبارية ، مدافعا عن اندراس الشواهد قائلا : « وأين من حظي بالقرب ممّن ابتلى بالبعد حتّى يدّعى تساويهما في الغنى والفقر ، كلا ، إنّ بينهما ما بين السماء والأرض ، ولقد حدث بطول الغيبة ، وشدّة المحنة ، وعموم البليّة ما لولا اللّه وبركة آل اللّه لردّها جاهليّة ، فسدّت اللغات ، وتغيّرت الاصطلاحات ، وذهبت قرائن الأحوال ، وكثرت الأكاذيب ، وعظمت التقيّة ، واشتدّ التعارض بين الأدلّة حتّى لا تكاد تعثر على حكم يسلم منه ، مع ما اشتملت عليه من دواعي الاختلال ، وليس هناك أحد يرجع إليه بسؤال ، وكفاك مائزا بين الفريقين قرائن الأحوال وما يشاهد في المشافهة من . . » « 6 » .

--> ( 1 ) - الشيخ حسن ، منتقى الجمان 1 : 14 ؛ والشيخ البهائي ، مشرق الشمسين : 26 ، 30 - 31 ؛ وانظر : محسن الأعرجي ، شرح مقدّمة الحدائق ، الورقة رقم : 16 ؛ وهاشم معروف الحسني ، دراسات في الحديث والمحدّثين : 43 . ( 2 ) - الأسترآبادي ، الفوائد المدنية : 117 ؛ وله أيضا الحاشية على تهذيب الأحكام ، الورقة : 12 ، و 96 - 97 ؛ والحرّ العاملي ، الوسائل 30 : 202 . ( 3 ) - الحر العاملي ، الوسائل 30 : 203 ، 275 ، 278 ؛ والفوائد الطوسية : 534 ، 535 ، 545 ؛ وانظر اعتذار الاثنين في : المنتقى 1 : 3 و 14 ؛ ومشرق الشمسين : 32 - 35 . ( 4 ) - الكركي ، هداية الأبرار : 62 ، وانظر : 56 و 73 . ( 5 ) - يوسف البحراني ، الحدائق الناضرة 1 : 23 ؛ والحرّ العاملي ، الوسائل 30 : 262 ؛ والأسترآبادي ، الفوائد المدنية : 122 - 123 . ( 6 ) - محسن الكاظمي الأعرجي ، وسائل الشيعة في أحكام الشريعة : 4 .